عنوان الصفحة واقعة الطف دروس في التضحية والمقاومة محتوى الصفحة
كانت واقعة الطف تمثل أوج مراحل الصراع بين الخير والشر فقد تعرضت الأمة الإسلامية في تلك الفترة إلى هجمة شرسة تستهدف قيمها ومثلها وأصبح الواقع الإسلامي يشهد مواجهة خطيرة مع تيار الضلال والإنحراف تكاد تنتهي إلى نتائج كارثية .... وفي مثل هذه الظروف البالغة الحساسية كان من الطبيعي أن تحدث المواجهة بين المبدئية والشرعية ممثلة بالإمام الحسين وأهله وأصحابه (ع) وبين الردة والإنتهازية ممثلة بيزيد بن معاوية ومن معه من المرتزقة والسفاحين خاصة وإن الإمام الحسين (ع) يعتبر المعنى الأول بحماية القيم والمبادئ الإسلامية لأسباب جوهرية عديدة في مقدمتها الدور الجهادي المعد للقيام به في ضوء مكانته الروحية المعروفة والتي تمثل إمتدادا طبيعيا للنبوة ممثلة بجده رسول الله صلى الله عليه وآله، والإمامة ممثلة بأبيه وأخيه عليهم السلام، وعلى ذلك فإن حتمية المواجهة كانت تمثل إمتداد للإسباب والدواعي التي ساهمت في المواجهة القديمة بين الخير والشر منذ بداية الخليقة وقصة المواجهة بين قابيل وهابيل ومرورا بالمواجهات اللاحقة بين الأنبياء ورموز الكفر والضلال وستستمر مع إستمرار الحياة قائمة على الأرض لتتحول قيم التضحية والفداء الحسينية شاخصة في ضمير الأجيال تستمد منها المواقف والمعاني الضرورية للدفاع عن كرامتها ومعتقداتها وتنهل من ينابيعها دروسا في المقاومة والتضحية من أجل الإستقامة ومواجهة الإنحراف. وعلى مدى قرون من القراءة لفصول هذه الملحمة الخالدة كانت الإنسانية تنحاز بدافع من توجيه مثلها وقيمها إلى جانب المبادئ التي صنع سيد الشهداء من وحيها واقعة الطف ولا شك ان مثل هذا الموقف الإنساني قائم على فاعلية تأثير الصوت الحسيني كونه يجسد الآمال والتطلعات الإنسانية المشروعة ويعبر عن معنى التضحية المطلقة عندما تكون خالصة لوجه الله من أجل مستقبل أفضل للإنسانية. لقد جسد هذا التفاعل والتواصل مدة نقاء الموقف الحسيني وطهارة الدماء المستشهدة وعلى خلاف ذلك فقد كان قرار الإنسانية المستنكر والمستهجن للموقف اليزيدي يجسد توجهها الثابت على مدى التاريخ في معارضتها للشر كونه القوة إلى تتعارض مع آمالها وتطلعاتها وتهدف إلى القضاء على قيمها ومعتقداتها. ان الصراع بين الخير والشر لم يكن حكرا عل عصر دون آخر أو أمة دون أخرى وإنما كان ذلك الصراع ولا يزال يمثل الحالة السائدة في التاريخ الإنساني فهناك القاتل وهناك القتيل وهناك جبهة للحق وهناك جبهة للباطل وهكذا يستمر الصراع والمواجهة تحت أسماء وعناوين متعددة في الوقت الذي تتكرر الفصول ذاتها في إطار الصراع بين الخير والشر (فمنذ ان قتل قابيل هابيل أنقسم الناس إلى قسمين قسم المقتولين وقسم القتلة، وأصبحت الحياة جبهتين، جبهة الحق وجبهة الباطل والصراع بين هاتين الجبهتين لا نهاية له، إلا بإنتهاء الحياة والإنسان من على هذه الأرض. وهكذا فإن واقعة الطف كانت تمثل مشهدا صارخا وبشعا لقتل دعاة الحق في محاولة بائسة لمصادرة الحق والقضاء عليه غير ان النتائج النهائية لا تأتي بعد إنتهاء كل جولة من تلك الجولات بما ينسجم مع توقعات وحسابات جبهة الباطل ذلك لأن الحق لا يمكن ان يصادر أو يقتل كما ان دعاة الحق لا يمكن القضاء على دورهم واحتواء فاعليتهم خاصة وان مثلهم مثل الشمس لابد وان تعاود شروقها مع كل غمامة ليل تحجبها وتحول بين ضوئها والإنطلاق إلى الجهات الأربعة. هذه الحياة الدائمة التي قوامها قوة الموقف وزخم العطاء لا يمكن النجاح بالقضاء عليها كما يتوقع الطغاة فيما يؤكد الواقع على تصاعد فاعليتها وكثرة ولاداتها وتكرار صورها فالشهداء سيأخذون مواقعهم في آلاف القلوب وأجيال من الذاكرة الإنسانية وهكذا كانت واقعة الطف حيث تحولت إلى مدرسة يستلهم منها الأجيال دروسا في الجهاد والتضحية والإصرار على نصرة القيم والمبادئ. ولعل في مقدمة هذه الدروس، ما يؤكد على ان ألة الشر مهما إشتدت حركتها وتصاعدت هجماتها وشراستها فإنها في نهاية المطاف لابد ان تنهار وتتداعى أمام إرادة الثوار والشهداء لتبقى الثورة والمبادئ والشهداء هم الباقون يجسدون حركة الحق ويزيحون الأقنعة عن ملامح الباطل وهذا هو بالضبط ما نسجته واقعة الطف من حروف ومعاني في ذاكرة الإنسان المسلم خاصة والإنسان عامة. فقد تفتقد جبهة الحق الشروط المادية الأمر الذي يحول بينها وبين تحقيق الغلبة المباشرة والتقليدية على جبهة الباطل غير ان الأخيرة سوف تكون خسارتها في الحسابات المعنوية والجوهرية فادحة جدا إلى الدرجة التي يمتد تأثيرها ليشمل المستقبل، وتلك هي خلاصة الحقيقة.. لقد كسبت واقعة الطف (عاشورا) التاريخ والمستقبل وخسر الأمويون وفي مقدمتهم يزيد التاريخ والمستقبل كله. |